11‏/4‏/2013

الحرية الجنسية في أميركا.. أفكار مغلوطة عند العرب



“أميركا جنة الراغبين في المتعة الجنسية وبدون التزامات”، “النساء الأميركيات متحررات وسهلات المنال” و”الرجال في أميركا لا غيرة لهم على نسائهم وبناتهم” .. هذه بعض الأفكار الشائعة عند بعض المواطنين العرب حول الحياة في الولايات الأميركية وبعض سلوكات الأميركيين.
هذه الأفكار التي تصنف في خانة “التصورات الجاهزة” مغلوطة في مجملهما، فأغلب الدراسات التي أنجزت حول الحياة الجنسية عند الأميركيين أثبتت أنهم شعب محافظ، بل أكثر محافظة مما يقع في بعض الدول العربية نفسها.
خيبة أمل جنسية
في أحد المقاهي الخاصة بالعرب، في ولاية فرجينيا بالولايات المتحدة، تجمع العشرات من الشباب حول موائد معدنية، وتعالى دخان الشيشة من حولهم. كانوا يتحدثون لهجات عربية مختلفة، وحتى المأكولات الموضوعة على الطاولة كانت مختلفة تمثل المطبخ المغربي والفلسطيني واللبناني والسوداني..
كل المتواجدين في المقهى ذكور، ونادرا ما تأتي امرأة إلى ذلك المكان وهذا عكس باقي الفضاءات الأخرى في أميركا التي تزاحم فيها المرأة الرجل، وأغلب الحاضرين في المقهى تركوا زوجاتهم بالبيت، أو لا زالوا عزابا لم يستقروا في علاقة بعد، أو لأن أحلامهم في العثور على أميركية شقراء جميلة تدخن سجائر المارلبورو وتدعوهم للمتعة تبخرت فاتجهوا لدخان للشيشة كتعويض عن الخيبة..
هذه الخيبة تكاد تكون القاسم المشترك بين كل الشهادات التي جمعها موقع “راديو سوا” حول الموضوع. فحفيظ المنور الذي كان في أميركا العام الماضي تغيرت كل تصوراته عن الحرية الجنسية في الولايات المتحدة حينما زار نيويورك. فقد اكتشف أن الأميركيين ينظمون حياتهم بشكل دقيق ومتحفظ أيضا. وقال المنور “صحيح أنهم في المجمل لطفاء ويحبون الانفتاح على الآخر والحديث معه، لكنهم في نفس الوقت يحافظون على حدود لهذا الانفتاح”.
وإذا كان المنور يتحدث انطلاقا من تجربته الشخصية فإن يوسف حميد، الشاب الأردني المقيم بعمان يحمل أفكارا مسبقة عن الحياة الجنسية في أميركا، إذ لم يتردد لحظة في الإجابة عن سؤال موقع “راديو سوا” “هل تعتقد أن الجنس سهل في أميركا ؟” بنعم والتأكيد عليه، والسبب في نظره كامن في أن الأميركيين غير مسلمين وبالتالي “لا قيم ولا أخلاق لهم، مما يجعلهم يتخلون عن أعراضهم وشرفهم بسرعة”.
ويشارك يوسف في رأيه محمد الحوامدة من فلسطين، إذ يؤكد هو الآخر على مسألة “غياب الأخلاق والقيم في المجتمع الأميركي، مما يجعل نساءه سهلات ورجاله غير غيورين على زوجاتهم”.
الدراسات تثبت العكس
إجابات العرب على السؤال تظل في واد وخلاصات الدراسات العلمية التي أجراها الباحثون في الموضوع في واد آخر، فقد توصلت دراسة أميركية طرحت الأسئلة الثلاثة التالية على عينة من الأميركيين: كيف استقيت معلوماتك الأولية عن الجنس؟ ماذا قالت لك أمك حول هذا الموضوع؟ وماذا قلت أنت لأمك؟ إلى نتائج مغايرة تماما لتصور العرب حول الموضوع.
فكل الأمهات اللواتي تم استجوابهن وصفن أنفسهن بأنهن مسيحيات بالدرجة الأولى، ثم معمدانيات في الدرجة الثانية (أي وقع تعميدهن على الطريقة المسيحية)، واعتبرن بأنهن ترعرعن في بيت معمداني، وبأن التعاليم المسيحية تشكل جزءا أساسيا من حياتهن ، ونفس الأمر ينطبق على البنات، فقد عبرن عن كونهن مسيحيات في الأول، وبدرجة أقل معمدانيات.
أما بخصوص العلاقات الجنسية، فأغلب المستجوبين قالوا إنه يجب أن تمارس بعد الزواج وليس قبله. كما أن الخلاصة الرئيسية التي توصلت إليها هذه الدراسة هي الإمتناع عن ممارسة الجنس حتى الزواج، وهذه القيمة تم تشجيعها من طرف جميع الأمهات، وكل البنات فيما عدا اثنتين. فأغلبية الأمهات المستجوبات في هذا البحث كن واضحات بكونهن يأملن أن تقوم بناتهن بالامتناع عن ممارسة الجنس حتى الزواج.
هذه الخلاصات تؤكدها دراسة أميركية أخرى توصلت إلى أن الأشخاص الذين يتزوجون بالطريقة التقليدية ولا يمارسون الجنس إلا بعد الزواج تكون زيجاتهم أنجح وأسعد.
وقال الباحثون الأميركيون الذين أجروا الدراسة إن تأخير الفرحة والانتظار حتى ليلة الزفاف لا يسفر عن علاقة أفضل بين الزوجين فحسب، بل وحياة جنسية أمتع كذلك.
وشملت الدراسة 2035 رجلاً وامرأة متزوجين سُئلوا متى مارسوا الجنس بعد اللقاء الأول بين الاثنين. وأظهرت الدراسة أن احتمالات العلاقة الناجحة تزيد بنسبة 22 في المائة بين أولئك الذين انتظروا حتى شهر العسل، فيما تزيد احتمالات الشعور بالرضا عن الحياة الزوجية عند هؤلاء بنسبة 20 في المائة مقارنة مع الذين مارسوا الجنس قبل ليلة الزفاف.
كما أن نوعية حياتهم الجنسية أفضل بنسبة 15 في المائة منها عند الذين مارسوا الجنس قبل الزواج، وكذلك لغة التفاهم والتواصل، فهي أفضل بنسبة 12 في المائة عند الذين صبروا حتى ليلة الدخلة بالمقارنة مع الذين لم يستطيعوا الانتظار.
ما توصلت إليه الدراسات السالفة الذكر، تؤكده قصة الحسين في أميركا، فحينما كان في المغرب كان يعتقد أن أميركا هي “أرض الانحلال والنساء السهلات”، وحينما قرر السفر إليها كان متأكدا من أنه سيعيش “حياة جنسية زاخرة”، لكن كل هذه الأفكار تغيرت ما إن خرج من مطار واشنطن العاصمة.
فقد أدرك الحسين (الذي رفض الإفصاح عن اسمه العائلي) أن الحياة صعبة في الولايات المتحدة، والنساء الأميركيات بعيدات المنال، وقال لموقع “راديو سوا” “الجنس أصعب في أميركا منه في المغرب، هنا يجب أن تقتنع بك الأميركية أولا، وتعجبها وبعد علاقة ومسار طويل من بناء الثقة يتحقق المراد.. الأمر ليس سهلا بتاتا”.
التنشئة الاجتماعية هي السبب
بين اعتقادات الناس ونتائج الدراسات العلمية يوجد التفسير العلمي القائم على علم الاجتماع. فقد قال جمال خليل، أستاذ علم الاجتماع، لموقع “راديو سوا” إن الأمر معقد ومركب.
وفي نظره، فإن الأفكار الجاهزة عن الجنس في أميركا التي تملأ رأس المواطن العربي تبدأ مبكرا وتتشكل طيلة فترة التنشئة الاجتماعية له. وأوضح خليل أن الفرد في المجتمعات العربية تتم تربيته في فضاءات اجتماعية (البيت، المدرسة، الشارع..) يحتل فيها الفكر النقدي مرتبة ثانوية، و”الأساس في تربيته هو شحنه بالنماذج الموجودة مسبقا حتى يعيد إنتاجها هو”.
ويضيف عالم الاجتماع أن “الطفل العربي في سن مبكرة تكون عنده القابلية للتعرف على الآخر وطرح السؤال، إلا أن هذه القابلية يتم قتلها مبكرا عبر قمعه حينما يسأل ويتم ملء عقله بالأفكار الجاهزة على أساس أنها حقيقة مطلقة لا يجب بتاتا التشكيك فيها وإلا خرج عن إجماع الأمة وأصبح منبوذا”.
وحينما يكبر الطفل ويصبح راشدا، يصعب عليه كثيرا التخلص من تلك الأفكار، ويتطلب منه الأمر، حسب جمال خليل، الكثير من الجهد والطاقة وأيضا الشجاعة حتى يكوّن أفكاره بنفسه وليس اعتمادا ما يروجه الإعلام وما يقال في الشارع أوالعمل.
ويوضح خليل أن “التخلي عن تلك الأفكار هو بمثابة خيانة للأم والأب والعائلة والجماعة ككل، وهو بذلك حينما يفكر في أميركا أو الغرب عموما إنما يفكر انطلاقا من الأفكار المسبقة التي تم حشو دماغه بها وهي في مجملها سلبية وسطحية لأن الناس أعداء ما يجهلون”.
طبقتان ومستويان في التفكير
أما عبد الوهاب الرامي الخبير في علوم الإعلام والاتصال فيميز، في حديثه لموقع “راديو سوا” بين مستويين، الأول هو مستوى الطبقة المثقفة من العرب، ويقول إن هؤلاء “رغم كونهم يحملون الأفكار المسبقة حول الجنس في أميركا إلا أنهم واعون بخطورته أيضا، فمحاكمات التحرش الجنسي قاسية في أميركا وما حدث لشخصيات شهيرة مثل الرئيس بيل كلينتون ومدير صندوق النقد الدولي شتروس كان خير دليل على ذلك وكل هذه القضايا يتتبعها المثقفون العرب عبر الإعلام”.
والمستوى الثاني، حسب الخبير الإعلامي، هو طبقة العامة الذين يرون أن الغرب هو “مجتمع منحل ومتفسخ أخلاقيا”، ويعتبرون ما تقوم به المرأة في دول مثل أميركا لنيل حقوقها والوصول إلى المكانة التي تستحق عبر منافسة ومخالطة الرجال، إنما هي خطوة أخرى نحو مزيد من الإنحلال والفساد.
هذه الصورة النمطية، حسب الرامي، سائدة لدى فئات واسعة من العرب سواء عند الرجل أو المرأة التي تعتبر أي علاقة خارج إطار “الشرعية” إنما هي فساد وانحلال، ويتحول الغرب عموما إلى مجتمع فيه المعاشرة الجنسية سهلة المنال.
ويضيف عبد الوهاب الرامي أن هذه الصور ترسخها وسائل الإعلام عموما، ويوضح أن “هوليود تقدم المرأة إلى جانب الرجل في بار وهي تتناول الخمر، هذه الصورة المحرمة كليا في الثقافة العربية توحي أن بعد الخمر والبار من الضروري أن تختتم الليلة في الفراش”.
وإذا كان عالم الاجتماع جمال خليل يقول إن الشجاعة والإصرار هما السبيل للخروج من سجن الأفكار الجاهزة، فإن لخبير علوم الإعلام والاتصال وصفة أخرى، إذ يؤكد الرامي أن الوسيلة الوحيدة لمحو هذه الصور النمطية هي الإنفتاح على هذه المجتمعات وزيارتها، وأردف قائلا “نحن نقرأ ثقافة الآخر من خلال ثقافتنا وهذا ما يجعلنا نجرمه في أغلب الأحيان، علينا أن نتعلم احترام التنوع الثقافي والنظر إلى الآخر بناء على ثقافته واحترامها”.

هناك تعليق واحد:

  1. من الضروري الانفتاح على الاخر والاطلاع على الثقافات الاخرى ولكن بدون الانسياق والانجراف في تياراتها بفعل الانهزامية والتبعية الثقافية

    ردحذف

Related Posts Plugin for WordPress, Blogger...